أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
156
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
الباب الخامس في أحزابه ودعواته وأوراده وأذكاره وما كان يعلمه لتلامذته في المهمات اعلم أن حقيقة الحزب هو الورد الوارد المعمول به تعبدا ونحوه ، وهو في الاصطلاح مجموع أذكار وأدعية وتوجهات ، وضعت للذكر والتذكر والتعوذ من الشر وطلب الخير ، استنتاج المعارف وحصول العلم مع جمع القلب على اللّه ، ولم تكن في الصدر الأول ولا من بعدهم بقليل ، لكن جرت على أيدي المشايخ الصوفية وصالحي الأمة بحكم التصرف والنظر السديد ، إشغالا للطالبين ، وإعانة للمريدين ، وتقوية للمحبين ، وحرمة للمنتسبين ، وترقية للمتوجهين من العباد والزهاد ، وأهل الطاعة والسداد ، فتحا للباب حتى يدخله عوام المؤمنين ، لما رأوا قصر الهمم ، وضعف العزائم ، وبعد النيات ، ونقص القرائح ، واستيلاء الغفلة ، ومرض القلوب ، وقلة اليقين : وأحزاب أهل الكمال ممزوجة بأحوالهم مؤيدة بعلوم مسددة بإلهامهم ، مصحوبة بكراماتهم ، حتى قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه في شأن حزبه الكبير : من قرأه كان له ما لنا وعليه ما علينا ، وقد تقدم بيان ذلك . واعلم أن أحزاب الشيخ رضي اللّه عنه جامعة بين إفادة العلم وآداب التوحيد وتعريف الطريقة وتلويح الحقيقة ، وذكر جلال اللّه تعالى وعظمته وكبريائه ، وذكر حقارة النفس وخستها ، والتنبيه على خدعها وغوايتها ، والإشارة لوصف الدنيا والخلق ، وطريق الفرار من ذلك ووجه حصوله ، والتذكر بالذنوب والعيوب ، والتنصل منها مع الدلالة على خاص التوحيد وخالصه ، واتباع الشرع ومطالبه ، فهي تعليم في قالب التوجه ، وتوجه في قالب التعليم ، من نظرها من حيث العلم وجده كامنا فيها ، ومن نظرها من حيث العمل فهي عينه ومن نظرها من حيث الحال وجده كامنا فيها ، وقد شهد شاهدها بذلك عند الخاص والعام ، فلا يسمع أحد من كلامها شيئا إلا وجد له أثرا في نفسه ولا يقرؤها إلا كان مثل ذلك ، ما لم يكن مشغولا ببلوى ؛ أو مشغوفا بدنيا ، أو مصروفا بدعوى ، أعاذنا اللّه تعالى من البلاء .